ابن عجيبة

420

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وضعف رأيكم وملتم إلى الغنيمة ، وَتَنازَعْتُمْ في الثبات مع الرماة حين انهزم المشركون ، فقلتم : الغنيمة الغنيمة ، فما وقوفكم هنا ! وقال آخرون : لا تخالفوا أمر الرسول ، ثم تركتم المركز ، وَعَصَيْتُمْ الرسول مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ من النصر والغنيمة ، امتحناكم حينئذ بالهزيمة . فمنكم مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا ليصرفها في الآخرة ، وهم الذين خالفوا المركز وذهبوا للغنيمة ، وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ صرفا ، وهم الثابتون مع عبد اللّه بن جبير ، محافظة على أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ حين خالفتم أمر الرسول ، لِيَبْتَلِيَكُمْ أي : ليختبركم ، فيتبين الصابر من الجازع ، والمخلص من المنافق ، وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ فلم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة ، لاستحقاقكم ذلك ، أو تجاوز عن ذنبكم وتفضل بالتوبة والمغفرة ، وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عظيم عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ؛ يتفضل عليهم بالمغفرة في الأحوال كلها ، سواء أديل عليهم أو لهم ، فإن الابتلاء أيضا رحمة وتطهير . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : يقول للفقراء الذين استشرفوا على بلاد الخصوصية ، ثم فشلوا ورجعوا إلى بلاد العمومية : ولقد صدقكم اللّه وعده في إدراك الخصوصية لو صبرتم ، فإنكم حين كنتم تجاهدون نفوسكم وتحسونها بسيوف المخالفة ، لمعت لكم أنوار المشاهدة ، حتى إذا فشلتم وتفرقت قلوبكم ، وعصيتم شيوخكم قلّت أمدادكم ، وأظلمت قلوبكم ، من بعد ما رأيتم ما تحبون من مبادئ المشاهدة ، فملتم إلى الدنيا الفانية ، فمنكم يا معشر المنتسبين من يريد الدنيا ، فصحب العارفين على حرف ، وهو الذي رجع وفشل ، ومنكم من يريد الآخرة وقطع يأسه من الرجوع إلى الدنيا ، وهو الذي ثبت حتى ظفر ، ثم صرفكم عن صحبة العارفين ، يا من أراد الدنيا من المنتسبين ، ليبتليكم ، هل صحبتموهم للّه أو لغيره ، ولقد عفا عنكم وجعلكم من عوام المسلمين ، ولم يسلب عنكم الإيمان عقوبة لترك صحبة العارفين . أو لقد عفا عنكم إن رجعتم إلى صحبتهم والأدب معهم ، فإن اللّه ( ذو فضل على المؤمنين ) حيث لم يعاجلهم بالعقوبة . وباللّه التوفيق . وقال الورتجبي : قوله : مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا ، أي : منكم من وقع في بحر غنى القدم ، واتصف به بنعت التمكين ورؤية النعم في شكر المنعم ، كسليمان عليه السّلام . ومنكم من وقع في بحر التنزيه وتقديس الأزلية ، فغلب عليه القدس والطهارة ، فخرج بنعت الفقر ؛ تجريدا لتوحيده وإفراد قدمه من الحدث ، كمحمد صلّى اللّه عليه وسلم حيث قال : « الفقر فخرى » « 1 » .

--> ( 1 ) قال الحافظ ابن حجر : لا أصل له . انظر : الأسرار المرفوعة .